الشرقية

“الشرقية تقرأ” حين تستعيد القراءة ذاكرة المكان

لا يمكن النظر إلى مشروع (الشرقية تقرأ) بوصفه مبادرة ثقافية عابرة أو برنامجًا موسميًا أُضيف إلى جدول الفعاليات، لأن ما يحمله هذا المشروع أعمق من ذلك بكثير. هو في جوهره فعلُ استعادةٍ لذاكرةٍ ثقافية لم تنقطع يومًا عن المنطقة الشرقية، وإن خفت صوتها أحيانًا. فالشرقية لم تكن يومًا أرضًا صامتة تجاه المعرفة، بل كانت دائمًا مساحة للحوار، وللمجالس، وللأسئلة التي تُقال على مهل، بعيدًا عن الخطابة العالية، وقريبة من الإنسان.

من هنا تحديدًا، يبدو مشروع (الشرقية تقرأ) كأنه لم يبدأ من نقطة الصفر، بل عاد إلى نقطةٍ كانت موجودة أصلًا. حين أعلنت جمعية قرطبة للقراءة أن دليل الأندية القرائية في المنطقة الشرقية لم يكن مجرد توثيق، بل خريطة للحراك القرائي، كانت في الحقيقة تعترف بأن القراءة هنا لم تكن غائبة، بل كانت بحاجة إلى من يُعيد وصل أجزائها، ويحوّل ذاكرتها المتفرقة إلى مشهدٍ يمكن رؤيته والإصغاء إليه.

هذا الانتقال من التوثيق إلى الفعل هو جوهر المشروع. فالأرشفة وحدها لا تصنع حياة، لكنها حين تتحول إلى لقاء، وإلى حوار، وإلى مساحة مشتركة، تصبح ذاكرة حيّة. من هذا المعنى وُلد (الشرقية تقرأ) بالشراكة مع برنامج نجيب الزامل للشراكة المجتمعية، لا بوصفه إضافة تنظيمية، بل بوصفه امتدادًا لفكرة قديمة في هذه المنطقة: أن القراءة ليست فعلًا فرديًا خالصًا، بل ممارسة اجتماعية، تُبنى في المساحات المشتركة، وتكبر بالصوت المتبادل.

ولعل اختيار عنوان اللقاء الأول “صدى القراءة” كان اختيارًا دقيقًا يعكس هذه الرؤية. فالصدى ليس بداية الصوت، بل عودته. والقراءة هنا لم تُقدَّم كاكتشاف جديد، بل كأثر يعود للظهور، ويطالب بأن يُسمع من جديد. وقد عُقد اللقاء في مسرح غرفة الشرقية، بمكانه وزمانه المعلنَين، في إشارة واضحة إلى أن القراءة التي يتحدث عنها المشروع لا تنتمي إلى النخبة المغلقة، بل إلى المجال العام.

ما يميّز هذا المشروع أنه لم يبدأ من التنظير، بل من التجربة. التجربة كما هي، دون تلميع أو مثالية. في حديث الأستاذ فهد التميمي عن أول كتاب قرأه في طفولته، ظهرت القراءة في أبسط صورها وأكثرها صدقًا. لم تكن بدافع علم أو بحث معرفي، بل بدافع إنساني خالص: محاولة التقرب من طفلة مختلفة، هادئة، منعزلة، لا تشارك الآخرين لعبهم، لكنها تقرأ. كتاب مستعار من مكتبة المدرسة، قصص تُحفظ لتُروى، وحوار يُبنى من الكلمات ومن هذه اللحظة الصغيرة، التي لم تُخطَّط، بدأت علاقة طويلة مع القراءة. هذه القصة وحدها تكشف حقيقة غالبًا ما نتجاهلها: أن القراءة في حياتنا لا تبدأ دائمًا لأننا نحب الكتب، بل لأننا نبحث عن شيء آخر.

وفي حديث الدكتور عبيد الظاهري، تتكامل الصورة من زاوية أخرى. فالقراءة، كما يراها، مسار يحتاج في بداياته إلى توجيه، إلى سؤال، إلى من يدلّ القارئ على الكتب المناسبة، قبل أن يصل مع الوقت والممارسة إلى الاستقلال في اختياراته. هنا تُقدَّم القراءة كفعل يتشكّل بالتجربة لا بالقفز، وبالتدرّج لا بالوصفات الجاهزة، وهو طرح ينسجم مع فلسفة المشروع التي تعترف بأن القارئ لا يُصنع دفعة واحدة.

أما الجلسات الحوارية التي يتبناها (الشرقية تقرأ)، فهي امتداد طبيعي لهذا الفهم مساحات تُفتح فيها الأسئلة حول المشهد الثقافي وتحدياته، لا لتقديم إجابات نهائية، بل للاعتراف بأن الثقافة فعل حوار مستمر. وفي هذا السياق، لا تبدو القراءة هدفًا بحد ذاتها، بل وسيلة لفهم الذات والمكان والآخر.

ويحضر اسم الأديب الراحل نجيب الزامل في المشروع لا كرمز احتفائي، بل كذاكرة فكرية للمنطقة. فالزامل لم يكن كاتبًا معزولًا عن مجتمعه، بل قارئًا للحياة قبل أن يكون قارئًا للنص. وبرنامجه للشراكة المجتمعية، الذي يحتضن هذا المشروع، يبدو كأنه يعيد طرح السؤال ذاته الذي طرحه الزامل في كتاباته: كيف تكون الثقافة قريبة من الناس دون أن تفقد عمقها؟ وكيف تكون القراءة فعلًا أخلاقيًا ومسؤولًا، لا ترفًا معرفيًا؟

حتى تقديم اللقاء، كما قدّمه الأستاذ عبداللطيف الدليجان، جاء منسجمًا مع هذه الروح. ولم تكن محاورة الضيوف، التي قدّمها الأستاذ خالد العنزي، استعراضًا بقدر ما كانت فعل مرافقة، حافظ على إيقاع الحوار، وترك المساحة للتجارب أن تُقال كما هي، وهو ما يؤكد أن شكل الحوار جزء من مضمونه، وأن الثقافة لا تُبنى فقط بما يُقال، بل بكيفية قوله.

بهذا كله، لا يبدو (الشرقية تقرأ) مشروعًا يصنع قرّاء جدد بقدر ما يكشف عن قرّاء كانوا موجودين أصلًا، ينتظرون مساحة تسمح لهم بأن يُسمَعوا. هو مشروع يعيد للقراءة مكانها الطبيعي داخل نسيج المجتمع، ويعاملها بوصفها ذاكرة مكان، لا مبادرة عابرة. ولهذا تحديدًا، لا يمكن تخيّل هذا المشروع إلا في الشرقية، ولا يمكن قراءة الشرقية اليوم دون أن يكون لهذا المشروع صدى فيها.

 

زر الذهاب إلى الأعلى