حين يصبح الفكر سيرة – قراءة في كتاب علي الوردي: شخصيته ومنهجه وأفكاره الاجتماعية


في زاويةٍ من ذاكرة الفكر العربي، يقف اسم علي الوردي كمن يشعل قنديلًا في عتمة العادات. ليس باحثًا جامعيًا عابرًا، ولا مفكرًا نخبويًا يتحدث من برجٍ عاجي، بل رجلٌ خرج من الأزقّة إلى الجامعة، ومن الواقع إلى النظرية. عاش الوردي حياةً مليئة بالتناقضات، تمامًا كما المجتمع الذي حاول أن يدرسه ويفهمه. ولد في الكاظمية ببغداد عام 1913، في بيئةٍ تموج بالتصوف والتقاليد، وسافر لاحقًا إلى أمريكا ليدرس علم الاجتماع، فعاد محمّلًا بأسئلة أكثر من الإجابات. كان يرى أن المجتمع العراقي يعيش صراعًا داخليًا بين قيم البداوة والحضارة، بين النخوة والأنظمة، بين الماضي الذي يجرّه والمستقبل الذي لا يبلغه.
الكتاب الذي ألّفه إبراهيم الحيدري بعنوان “علي الوردي: شخصيته ومنهجه وأفكاره الاجتماعية” هو محاولة لفهم هذا الرجل الذي لم يكن يشبه أحدًا. الحيدري لم يكتب سيرة تقليدية، بل حاور فكر الوردي كمن يحاكمه بعينٍ ناقدةٍ محبّة، فرسم لنا صورة المفكر الذي كان يرى في كل ظاهرةٍ اجتماعيةٍ عرضًا لمرضٍ أعمق، وفي كل تناقضٍ سلوكًا له تفسيرٌ نفسي وتاريخي. كان الوردي يؤمن بأن الإنسان لا يُقاس بما يقول، بل بما تفرضه عليه بيئته من سلوكٍ لا شعوري، وأننا كعرب نعيش ازدواجًا في الشخصية، نرفع شعار الفضيلة ونمارس العكس، نكره التناقض ونحن نعيش فيه.
تميّز منهجه بجرأته وواقعيته، لم يكن يحبّ المواعظ ولا الشعارات، بل كان يرى أن إصلاح المجتمع يبدأ من تشخيص علله لا تمجيد أوهامه. أخذ من ابن خلدون فكرة العصبية، ومن علم النفس التحليلي فكرة اللاشعور، ودمجهما في رؤيةٍ اجتماعيةٍ فريدة. وحين كتب عن شخصية الفرد العراقي لم يقصد الإدانة، بل الفهم، لأنّه كان يرى أن الحقيقة لا تُغضب إلا من يخشاها. استخدم السخرية أداةً فكرية، واللغة الشعبية مدخلًا إلى الوعي الجمعي، فكان صوته قريبًا من الناس وبعيدًا عن التكلّف الأكاديمي.
يرى الحيدري في الوردي عالمًا ومتمرّدًا في آنٍ واحد، عاش ليدرس الإنسان لا ليمجّده، وكتب ليوقظ العقول لا لينال رضا أحد. لم يكن منتميًا إلى حزبٍ أو مذهب، لكنه كان يؤمن بالديمقراطية بوصفها أداة وعي قبل أن تكون نظام حكم. دعا إلى تحرير العقل من هيمنة الماضي، والمرأة من أدوارٍ مفروضة عليها باسم التقاليد، وحذّر من استغلال الدين كوسيلةٍ للسيطرة على الناس. كان يقول إن الأخلاق لا تُقاس بالكلمات، بل بالأفعال التي نمارسها حين لا يرانا أحد، وإن المثالية الزائدة ليست إلا وجهًا آخر للنفاق الاجتماعي.
لم يسلم الوردي من النقد والهجوم، فقد اتُّهم بالإلحاد أحيانًا وبالتمرد أحيانًا أخرى، لكنه ظلّ ثابتًا على قناعته بأن الصمت أمام الخطأ هو خيانةٌ للعلم. يرى الحيدري أن الوردي أخطأ في بعض تعميماته، وربما كان متسرّعًا في بعض أحكامه، لكنه في الوقت نفسه كان أول من جعل علم الاجتماع علمًا حيًّا يتنفس هموم الناس. كان يقول عن نفسه: “أنا لستُ مصلحًا اجتماعيًا، بل عالمٌ يحاول أن يفهم المرض قبل أن يصف الدواء.”
في نهاية الكتاب، يصف الحيدري الوردي بأنه “ضمير العراق العلمي”، وهو وصفٌ دقيق لرجلٍ جعل من فكره ساحة مواجهةٍ مع الجمود. رحل الوردي عام 1995، لكن أفكاره لم ترحل. ما زالت كتبه تُقرأ وكأنها كُتبت اليوم، لأننا لم نتجاوز الأسئلة التي طرحها، من نحن؟ ولماذا نكرر أخطاءنا؟ وهل يمكن للعقل العربي أن يرى نفسه دون مرآة الماضي؟
يخرج القارئ من هذا الكتاب وهو يشعر أن علي الوردي لم يكتب ليُعجب أحدًا، بل ليجعلنا نرى أنفسنا كما نحن، بصدقٍ مؤلمٍ وضروري. في زمنٍ تكثر فيه الأصوات وتقلّ فيه الرؤى، يبقى الوردي صوتًا مختلفًا، عابرًا للزمن، كمن يهمس لنا من بعيد لا تخافوا من الحقيقة، فهي الطريق الوحيد إلى التغيير.





