بين الكرامة الفكرية والأنانية النقدية

في كلّ معركةٍ أدبية، يقف الكاتب على الحافة بين نبل الفكرة وغرور الظهور. تبدو الكلمة حينها سيفًا ذا حدّين إمّا أن تُنقذ المعنى من سطحية الزمن، أو تُسلمه إلى سطوة المنصّات التي تُحوِّل الفكر إلى عرضٍ يوميٍّ للذات.
- وهنا يتبدّى السؤال الأول:
هل ما زالت السجالات الأدبية اليوم تُبنى على الفكر، أم على الرغبة في تسجيل الحضور؟
الكرامة الفكرية لا تُقاس بعدد المتابعين، بل بقدرة المفكر على أن يظلّ وفيًا لفكرته، حتى لو صارت ضدّ التيار. لكننا نشهد اليوم مشهدًا تتنازع فيه الأضواء النصوص، حتى غدت المعركة الفكرية مشهدًا إعلاميًا أكثر منها جدلًا معرفيًا.
يُخاض النقاش بعباراتٍ أنيقة، لكنّ خلف الأناقة تختبئ رغبة في الانتصار لا في الإقناع. فمن الذي يقاتل من؟ هل الكاتب يدافع عن الفكرة؟ أم عن ذاته التي يخشاها أن تبهت في صخب المنصات؟
النقد الحقيقي، بطبيعته، عملٌ صامت. لا يحتاج إلى جمهور ولا تصفيق. لكنّ العصر الرقمي فرض على المثقف أن يتكلّم بصوتٍ أعلى ليُسمَع، فارتفعت الأصوات، وانخفض منسوب الفكر. وصار بعض النقّاد يُقيمون جدلهم كما يُقيم المخرج مشهدًا سينمائيًا زوايا محسوبة، إيماءات متقنة، ونصوص مشتعلة بالانفعال أكثر من اشتعالها بالفكر.
هنا يتحوّل النقد من أداة للفهم إلى وسيلة للتمركز، ومن حوار إلى منافسة على من يُمسك الميكروفون أطول. وحين ينسى الأديب أن الحبر أمانة، لا مرآة، ينقلب القلم عليه فيجرح ليُظهر قوّته، لا ليُوقظ الوعي. تتساقط المعاني في الطريق إلى التصفيق، ويُستبدل التأمل بالتنمر الناعم، والمساءلة بالاتهام المستتر. تتحوّل الحوارات الفكرية إلى مبارزات في اللغة، تُبهر المتابعين لكنها تُفقِد الفكرة روحها.
وفي زحمة ذلك، يغيب السؤال الأهم:
هل ما نراه سجالًا نقديًا، أم استعراضًا للذات المتعلمة؟
يُبتلى المفكر لا بخصومه، بل بمديحه. المديح الذي يُغشي البصيرة ويجعل من المفكر نجمًا أكثر منه ناقدًا. وحين يحبّ ضوءه أكثر مما يحبّ فكرته، يقتل فكرته ببطء، فيتحوّل النقاش من صراع العقول إلى منافسة المرايا.
وما أكثر ما نرى اليوم من حواراتٍ تشبه الحروب القديمة، لكنّها بلا دماء ولا شجاعة. حروب تُخاض بالكلمات على منصّاتٍ براقة، فيها كل شيء إلا “الوعي”.
ولعلّ أكثر ما يؤلم أن تتحوّل السجالات التي كان يُفترض أن تُثري الفكر إلى فقاعاتٍ ثقافية تُعمّق انقسام القارئ بين معسكرين لا يتجادلان حول الفكرة، بل حول “من الأذكى؟” أو “من الأجدر بالضوء؟”
- ربما كان السؤال الأجدر اليوم هو:
هل فقدنا قدرة الإصغاء لأننا جميعًا نريد أن نتكلّم؟
وهل يمكن للنقد أن يظلّ نزيهًا في زمنٍ أصبحت فيه الشهرة مقياس العمق؟
إنّ الأدب بلا تواضعٍ يتحوّل إلى غطرسةٍ لغوية، والنقد بلا ضمير يصبح ديكورًا معرفيًا. فلتبقَ المعركة الأدبية، إن وُجدت، في ميدان الفكرة لا في ميدان غرور الفكر. لأنّ التاريخ لا يخلّد من انتصر في الجدل، بل من أنصف الحقيقة ولو خسر التصفيق.




