“استثمار الشواطئ”..كيف تعاملت مدننا الساحلية مع واجهاتها البحرية؟ وما نصيب الجبيل الصناعية من هذا الاستثمار؟

بقلم: المستشار السياحي | محمد البوعينين
تشهد الواجهات البحرية في المملكة العربية السعودية ودول الخليج تحولًا متسارعًا، حيث أصبحت الشواطئ المهيأة عنصرًا أساسيًا في جودة الحياة والسياحة والاستثمار الحضري. ولم تعد قيمة الشاطئ تُقاس بطوله فقط، بل بمدى تشغيله واستثماره وتحويله إلى تجربة متكاملة للزوار والسكان.
وبحسب مقارنة تحليلية لعدد من المدن الخليجية والسعودية، تتصدر جدة القائمة السعودية والخليجية من حيث طول الشواطئ المهيأة، بواجهة بحرية تصل إلى نحو 40 كم، تليها مدن خليجية مثل أبوظبي والكويت ودبي، والتي نجحت في تحويل شواطئها إلى محركات اقتصادية وسياحية من خلال كثافة الأنشطة والفعاليات والاستثمارات المرتبطة بها.
أما على مستوى المملكة، فتبرز الجبيل الصناعية كواحدة من أهم المدن الساحلية من حيث البنية التحتية البحرية، حيث تمتلك نحو 17 كم من الشواطئ والواجهات البحرية المهيأة، لتحتل المرتبة الثانية سعوديًا بعد جدة، والسادسة خليجيًا ضمن المدن الساحلية محل المقارنة.
وهذا الرقم يضع الجبيل الصناعية في موقع متقدم مقارنة بعدد من المدن الخليجية، متفوقة على مدن مثل:
* الخبر
* مسقط
* المنامة
* المحرق
إلا أن المقارنة تكشف جانبًا مهمًا يستحق التوقف عنده، وهي أن الجبيل الصناعية، رغم طول شواطئها وجودة تخطيطها ونظافتها وتميزها البيئي، لا تزال أقل من غيرها في جانب “تشغيل الشاطئ” وتحويله إلى تجربة سياحية واقتصادية متكاملة.
فالمدن الخليجية المتقدمة لم تعتمد فقط على إنشاء الكورنيشات والممرات البحرية، بل عملت على:
* تنشيط الفعاليات الموسمية
* استقطاب المطاعم والمقاهي والأنشطة البحرية
* تعزيز الرياضات البحرية
* بناء هوية بصرية وسياحية للشاطئ
* ربط الواجهة البحرية بالاقتصاد المحلي والاستثمار الخاص
بينما ما تزال أجزاء واسعة من شواطئ الجبيل الصناعية تعتمد على الاستخدام التقليدي المحدود، مع محدودية في:
* الفعاليات
* الاستثمار السياحي
* التنوع التجاري
* الأنشطة البحرية والترفيهية
* التجارب الثقافية المرتبطة بالشاطئ
ورغم ذلك، فإن هذه الفجوة يمكن النظر إليها كفرصة استثمارية وسياحية ضخمة، وليست نقطة ضعف فقط.
فالجبيل الصناعية تمتلك عدة عناصر نادرة:
* بنية تحتية عالية الجودة
* شواطئ نظيفة ومنظمة
* بيئة بحرية مميزة
* مساحات مفتوحة قابلة للتطوير
* كثافة سكانية مستقرة
* موقع استراتيجي في المنطقة الشرقية
كما أن وجود مواقع طبيعية مثل:
* شواطئ الفناتير
* الواجهات البحرية
* جزيرة جريد
* جزيرة جنا
* مناطق المانجروف القريبة
* الجزر والسواحل غير المطورة مثل الباطنة
يجعل من المدينة مرشحًا قويًا لتطوير نموذج سياحي بحري متكامل يجمع بين:
* السياحة البيئية
* الأنشطة البحرية
* الفعاليات
* التجارب العائلية
* الاستثمار التجاري الخفيف
ومن المهم الإشارة إلى أن مستقبل المنافسة الساحلية في المنطقة لن يعتمد على “طول الشاطئ” فقط، بل على “جودة التجربة” و”العائد الاقتصادي” الناتج عن تشغيل الواجهات البحرية.
وفي هذا السياق، تظهر مشاريع مثل نيوم ومشروع البحر الأحمر كنماذج مستقبلية مختلفة، تعتمد على السياحة الفاخرة والمنتجعات والتجارب البيئية عالية القيمة، ما يعني أن مدن الخليج والشرقية بحاجة إلى تطوير نماذج تشغيل أكثر تنوعًا للحفاظ على تنافسيتها.
ويبقى السؤال الأهم:
هل يمكن أن تتحول الجبيل الصناعية من مدينة تمتلك شواطئ جميلة ومنظمة… إلى وجهة بحرية وسياحية متكاملة؟
الإجابة تبدو ممكنة جدًا، خصوصًا إذا تم التركيز على:
* رفع كثافة الأنشطة البحرية
* تطوير هوية سياحية للشاطئ
* دعم الاستثمار الترفيهي
* استغلال الجزر والسواحل غير المطورة
* إنشاء فعاليات موسمية
* ربط الشواطئ بالثقافة والبيئة المحلية
فالجبيل الصناعية لا ينقصها “المكان”، وإنما تحتاج إلى توجهٍ استثماري وتشغيلي يفعّل شواطئها وواجهاتها البحرية، وهو أمر لا يخفى على الجهات المعنية بالتطوير في المدينة، مع أهمية تكامل الأدوار والتعاون بين مختلف الجهات ذات العلاقة لإيجاد صيغ عملية ومتوازنة تجعل هذا المأمول واقعًا ملموسًا، وتمكّن الاستثمار السياحي والأنشطة البحرية والفعاليات النوعية، بما يحقق التوازن بين الجوانب التنظيمية والبيئية والأمنية. كما نتمنى مزيدًا من الاهتمام والدعم من قبل الجهات العليا المعنية بالاستثمار السياحي، نظرًا لما تمثله الواجهات البحرية من قيمة اقتصادية وسياحية وجودة حياة، قادرة على تحويل هذه المواقع من واجهات جميلة ومنظمة إلى وجهات سياحية واقتصادية متكاملة.
وربما تمتلك الجبيل الصناعية اليوم واحدة من أفضل الفرص الساحلية غير المستثمرة بالشكل الكافي في الخليج، ليس بسبب نقص المقومات، بل لأن المرحلة القادمة تتطلب الانتقال من “تجهيز الشاطئ” إلى “تشغيله” كمنتج سياحي واقتصادي متكامل.






