
الكثير منا لم يعد يُنصت للإذاعة في المنزل كما كان في الماضي، رغم أنها كانت يومًا ما رفيقًا صباحيًا دافئًا يحمل الأخبار والحكايات، ويجمع أفراد الأسرة حول صوتٍ يبعث الطمأنينة.
ومع تغيّر العادات، بقيت الإذاعة بالنسبة لكثيرين رفيقة الطريق إلى العمل، تُخفف الزحام وتفتح نوافذ التأمل.
في صباحٍ من تلك الصباحات، استوقفتني حلقة من برنامج جماهيري بعنوان «الصديق وقت الضيق»، حيث طرحت المذيعة سؤالًا بسيطًا لكنه عميق المعنى:
هل يكفي أن يكون الصديق وقت الفرح؟ أم أن الأهم أن يكون وقت الضيق؟
آراء الناس… ومواقف تكشف المعادن
تباينت الإجابات وتنوّعت المواقف بين المتفائل والمتشائم.
أحد المستمعين قال بهدوء:
الأقارب معذورون، فلربما تمرّ بهم ظروفهم الخاصة، والله وحده يفرّج بعد كل ضيق أمرًا.وإن حدث سوء فهم، فالمبادرة بالشرح والصلح أولى، فالضيق قبل الفرح.
بينما جاء رأي آخر حادًا وحاسمًا:
لستُ مجبرًا على أحد، ومن لا يعرفني إلا وقت الفرح والمناسبات لا مكان له في حياتي.
الناس تختفي وقت الشدة، وتظهر وقت التصوير والفرح.
وفي المقابل، كان هناك صوت أكثر هدوءًا وتسامحًا يقول:
الزمن كفيل بكشف الحقائق، فلماذا نُتعب أنفسنا بالتدقيق
اختبار الصداقة الحقيقي وسط هذا التباين، تتضح حقيقة واحدة مؤلمة: أن كثيرين لا يقدّرون من كان سندًا لهم، ولا يتذكرون المواقف التي جمعتهم في لحظات الضعف.
فما إن تتحسن أحوالهم حتى يختفوا، وكأن المعروف كان سحابة صيف.
قصص تتكرر، وأسماء تتبدل، والمشهد واحد:
أصدقاء وقت الفرح، وغائبون وقت الضيق.
لكن تبقى قيمة الصداقة الحقيقية في من يمدّ يده لك في العتمة، لا في من يصفق لك تحت الأضواء.
فالصديق لا يُعرف بكثرة اللقاءات، بل بثباته في المواقف الصعبة.
اخيرا
الضيق امتحانٌ صامت، يُفرز الوجوه، ويُظهر المعادن، ويُعيد تعريف العلاقات.
وفي زمنٍ تتغير فيه المواقف بسرعة الضوء، يبقى الصديق وقت الضيق عملة نادرة، لا تُشترى ولا تُباع، لكنها حين تُوجد… تُغني عن الدنيا بأسرها.
الله المستعان



