هل أخطأنا في إحياء الأسواق القديمة؟ قراءة مختلفة لمستقبل المدن السعودية

بقلم المستشار السياحي: محمد البوعينين
تتكرر في السنوات الأخيرة دعوات التخطيط الحضري في كثير من مدننا إلى إحياء الأحياء التاريخية والأسواق الشعبية القديمة، بوصفها وسيلة للحفاظ على التراث وتعزيز الجذب السياحي. ويستند هذا التوجه غالباً إلى تجارب ناجحة في مدن عالمية استطاعت أن تعيد الحياة إلى مراكزها القديمة وتحولها إلى قلب نابض للمدينة.
لكن السؤال الذي يستحق التأمل:
هل المشكلة في مدننا هي غياب الأسواق القديمة، أم غياب الحياة الحضرية أصلاً؟
التجارب العالمية التي يُستشهد بها كثيراً لم تنجح فقط لأنها حافظت على المباني القديمة، بل لأنها حافظت على مجتمع المدينة نفسه داخل تلك المناطق.
في مدن مثل باريس أو برشلونة أو براغ أو فلورنسا، لا تزال المراكز التاريخية مأهولة بسكان المدينة أنفسهم. يعيش الناس هناك، يعملون، يتسوقون، ويقضون حياتهم اليومية في تلك الشوارع التي تعود إلى قرون طويلة. لذلك تبقى الأسواق القديمة جزءاً طبيعياً من الحياة الحضرية، لا مجرد مواقع سياحية.
إضافة إلى ذلك، فإن المباني التاريخية في تلك المدن ليست مجرد بيوت قديمة، بل هي تحف معمارية: كاتدرائيات وقصور وساحات عامة ومبانٍ حجرية أبدع في تصميمها مهندسون قبل مئات السنين. هذه العمارة بحد ذاتها تمثل قيمة جمالية وثقافية تجعل الحفاظ عليها ضرورة حضارية.
أما في كثير من مدننا الخليجية، فالمعادلة مختلفة تماماً.
فالمباني القديمة في الغالب ليست مباني ذات قيمة معمارية استثنائية، بل بيوت طين أو مبانٍ بسيطة تعود إلى عقود قريبة نسبياً. وهي بلا شك تحمل قيمة اجتماعية وذكريات إنسانية لأهلها، لكنها لا تمتلك دائماً الجاذبية العمرانية التي تجعلها محور الحياة الحضرية الحديثة.
الأهم من ذلك هو أن نمط السكن نفسه مختلف.
فالمجتمع السعودي – والخليجي عموماً – يميل بطبيعته إلى السكن في الفلل داخل الأحياء الحديثة. وإذا سكن أحدهم في شقة في وسط المدينة فغالباً ما يكون ذلك سكنًا مؤقتًا، إلى أن يجد فرصة للانتقال إلى فيلا في حي جديد.
ولهذا السبب، فعندما يتم تطوير مناطق تاريخية مثل جدة التاريخية أو قيصرية الأحساء أو قصر الحكم بالرياض أو سوق مياس بالقطيف أو سوق برزان بحائل أو أسواق المدن القديمة، فإن هذه المواقع تتحول في الغالب إلى مناطق للزيارة أو للسياحة، لكنها لا تستعيد المجتمع الذي كان يصنع حياتها اليومية.
ومع مرور الوقت، تسكن هذه المناطق في كثير من الأحيان فئات مختلفة من السكان، غالباً من المقيمين أو العمالة، وهو أمر طبيعي في المدن، لكنه لا يعيد إنتاج الحياة الاجتماعية التي كانت تعيشها تلك الأسواق في الماضي.
وهنا تظهر المفارقة.
فنحن نحاول إحياء أماكن فقدت مجتمعها.
بينما المجتمع الحقيقي يعيش في مكان آخر.
فالحياة الحضرية الفعلية في مدننا اليوم لا توجد في الأحياء القديمة، بل في الأحياء الحديثة التي تسكنها عوائل المدينة: في الخبر والدمام والرياض وجدة وغيرها من المدن.
هذه الأحياء الجديدة هي التي يعيش فيها الناس فعلياً، لكنها في كثير من الأحيان تفتقر إلى ما يمكن تسميته قلب الحي.
غالباً ما تتكون الأحياء الحديثة من فلل متباعدة وشوارع واسعة ومراكز تجارية مغلقة، لكنها لا تمتلك تلك المساحات الإنسانية الصغيرة التي تصنع الحياة اليومية: سوق الحي، المقهى الذي يجتمع فيه الناس، الساحة التي يعرف فيها الجيران بعضهم بعضاً.
وهنا ربما يكون السؤال الأكثر أهمية:
بدلاً من محاولة إعادة إنتاج الماضي، لماذا لا نحاول صناعة ذاكرة حضرية جديدة للمستقبل؟
يمكن للمدن السعودية أن تطور نموذجاً مختلفاً يقوم على إنشاء أسواق ومراكز حياة صغيرة داخل الأحياء الحديثة نفسها.
أسواق للمشاة، صغيرة الحجم، مرتبطة بالحي وسكانه، تضم المقاهي والمطاعم والمتاجر المحلية والمساحات الاجتماعية. والأهم أن تُصمم بعمارة تعكس الهوية السعودية وتستفيد من تنوعها المعماري الغني، سواء في الطراز السلماني أو النجدي أو الشرقي أو الحجازي أو الجنوبي.
بهذه الطريقة لا تبقى الهوية المعمارية محصورة في المتاحف أو الأحياء القديمة، بل تصبح جزءاً من الحياة اليومية للمدينة.
وهناك بعد إنساني عميق في هذه الفكرة.
الأجيال السابقة من أبناء المدن السعودية تمتلك ذكريات عن الحارات القديمة والأسواق الشعبية والدكاكين الصغيرة التي كانت جزءاً من حياة المدينة. تلك الأماكن شكلت جزءاً من الهوية الاجتماعية والذاكرة الجماعية.
أما الأجيال الجديدة التي نشأت في الأحياء الحديثة، فقد لا تمتلك مثل هذه التجارب. فهي تعيش في مدن حديثة، لكنها تفتقر أحياناً إلى تلك المساحات التي تصنع القصص والذكريات المشتركة.
لذلك فإن إنشاء مراكز حياة صغيرة داخل الأحياء الجديدة قد يمنح أبناء هذه الأحياء شيئاً مهماً:
أن تكون لهم قصصهم الخاصة.
قصص عن سوق الحي الذي كبروا حوله، والمقهى الذي يجتمع فيه الناس، والساحة التي تقام فيها الفعاليات، والمتاجر الصغيرة التي يعرف أصحابها كل سكان الحي.
بدلاً من أن يعيش الأبناء فقط على ذكريات آبائهم عن أسواق لم يعيشوها.
إن التحدي الحقيقي في تخطيط المدن ليس فقط في الحفاظ على الماضي، بل في بناء ذاكرة حضرية جديدة للمستقبل.
فالمدن الحية ليست تلك التي تحافظ على مبانيها القديمة فقط، بل تلك التي تنجح في خلق حياة يومية نابضة لسكانها.
وربما يكون السؤال الذي يجب أن نطرحه اليوم ليس:
كيف نعيد إحياء الأسواق القديمة؟
بل:
كيف نصنع أسواق المستقبل التي ستصبح تراث الغد؟











