مقالات الرأي

“الهاربات خارج الوطن” بين وهم الحرية وحقيقة الضياع والانتقام

في زمن يعيش على سرعة “الترند”، لم تعد الخصوصية قيمة، ولا المشاعر حدودًا، ولا الخلافات الأسرية شؤونًا داخلية. كل شيء أصبح قابلًا للبث وكل ألم يمكن أن يتحول إلى محتوى مدفوع.

وسط هذا الضجيج، برزت ظاهرة “الهاربات خارج الوطن”؛ فتيات يتوهّمن أن الهروب حلّ، وأن الشهرة خلاص، وأن الحرية تُشترى بمقطع أو بث مباشر.
لكن خلف تلك الواجهة اللامعة، تختبئ قصة مختلفة تمامًا:
قصص انتقام، وتشويه، وتضليل… وأموال تأتي بسرعة، وتذهب أسرع… وندم يطرق الباب في الدنيا قبل الآخرة.
يبدأ الأمر بخلافات أسرية أو اجتماعية، ثم يتحول فجأة إلى مادة إعلامية تغذي الشاشات.
بعضهن يجدن أن الظهور والبث المباشر أسرع طريق لكسب المال والانتقام في الوقت نفسه، فتُستخدم الخصوصيات كسلاح، وتُستغل العلاقة مع الأهل أو الزوج كوقود لزيادة المشاهدات.
ومع الوقت، تتحول القصة إلى “مسلسل” يومي، يتصدر المنصات ويجذب الفضوليين، فيما يتم توريط الأبناء والزجّ بهم في محتوى لا يراعي براءتهم ولا مستقبلهم.
عندما يكون المال هو الهدف، تختفي المعايير.
تتعرّى إحداهن، وتختلق القصص، وتسيء لأهلها، وتكرر الأكاذيب، وتبث بأي هيئة… طالما أن العائد المالي مستمر.
إنها فرحة مؤقتة… لكنها بوابة واسعة للندم، وقناة مفتوحة للضياع النفسي والاجتماعي.
التأثير الخطير على المتابعين لا تتوقف عند صانعة المحتوى نفسها، بل تمتد إلى من يتابعها.
حين تتحدث بأسلوب مثير، وتستخدم كلمات مشوّقة، قد تجد من يصدقها، ومن يتخيل أن الهروب هو الحل، ومن يرى أن الحياة خارج الوطن “جنة” بلا مسؤوليات.
هذه الصور المضللة قد تدفع بعض الفتيات للتفكير في الهرب، معتقدات أنهن سيحصلن على حرية وسعادة لا توجد إلا في الشاشات… وليس في الواقع.
هنا وهم الحريةوحقيقة الضياع فكم من قصة بدأت ببث مباشر… وانتهت بضياع؟
وكم من فتاة توهّمت الحرية… لتكتشف لاحقًا أن الغربة قيد، وأن الشهرة استنزاف، وأن الطريق الذي ظنّت أنه خلاص لم يكن سوى نهاية مؤلمة؟
فنهاية هذه المسارات ليست مجدًا، بل ندماً، وحقوقًا ضائعة، وأطفالًا مشردين، ومستقبلًا مُعلّقًا.
هذه الظاهرة أبعد من مجرد قصص في منصات التواصل… إنها قضية وعي ومسؤولية.
فالخلافات لا تُحل بالهروب، والحرية لا تُشترى بمشاهدات، والمحتوى المؤقت لا يبني حياة مستقرة.
نسأل الله أن يحفظ أبناء وبنات هذا الوطن، وأن يهدي من انزلقت في هذا الطريق قبل أن تخسر ذاتها ومستقبلها.
والله المستعان.

زر الذهاب إلى الأعلى