مقالات الرأي

حين يشيخ العطاء ويغيب الامتنان

يكفي أن تتصفح وسائل التواصل الاجتماعي دقائق معدودة، لتشعر أن المجتمع بات غارقًا في أزمات لا تنتهي؛ عقوق، طلاق، قطيعة، ومشكلات عائلية تتكرر حتى أصبحت مشهدًا يوميًا لا يلفت الانتباه.

وسط هذا الضجيج، استوقفني – كغيري – حديث رجل سبعيني، لم يكن يشكو بقدر ما كان يسرد حكايته بهدوء من أنهى مهمته في الحياة. قال:
تقاعدت بعد أن تحققت أحلامي، أهمها بيتٌ ملك ليكون سكنًا دائمًا وراحة للعائلة وطمأنينة لما بعد وفاتي، وأبناء وبنات تخرّجوا وأصبحوا موظفين، رواتبهم اليوم تفوق راتبي التقاعدي أضعافًا.

لم يقلها تفاخرًا، بل كمن يقدّم خلاصة عمر.

ثم جاءت الجملة الأثقل:
بعد التقاعد تغيّر كل شيء… لا اهتمام، لا سلام، لا سؤال. كأنني شخص غريب، من بلادٍ بعيدة لا يعرفها أحد.

الوجع الحقيقي لم يكن في قلة المال، بل في انكسار المكانة.
وحين كان في غرفته، سمع الأغاني تعلو، والبالونات تُعلّق، وحفلة تُقام… ليست له، بل للشغّالة التي انتهت فترة عملها.

سؤال بسيط، لكنه موجع:
أليس لهذا الأب حق؟
أليس لمن أفنى أكثر من أربعين عامًا متنقّلًا بين الوظائف، بحثًا عن راحة أسرته، أن يُقابل بشيء من التقدير؟

ثم قال عبارته التي تختصر العمر كله:
قطار الحياة يقترب من محطته الأخيرة.

كانت كلماته أشبه بوصية، لا شكوى. رسالة لكل أب:
لا ترهن حياتك كاملة على أمل الوفاء، ولا تجعل التضحية دينًا تنتظر سداده؛ فبعض الوفاء لا يأتي متأخرًا… بل لا يأتي أبدًا.

ورسالة للأبناء:
البر لا يُقاس بالماديات، بل بالحضور، بالكلمة، بالسؤال، وبالشعور بأن هذا الأب ما زال في قلب البيت، لا على هامشه.

ويبقى السؤال المؤلم:
هل نُجيد الاحتفاء بمن صنعوا حياتنا… أم لا نلتفت إليهم إلا بعد أن يفوت الوقت؟

زر الذهاب إلى الأعلى