مقالات الرأي

ضبط البوصلة | مسميات تُوزَّع بلا رصيد: رفعوا من لا رفعة له!

بقلم: عطية الزهراني

في زمنٍ مضى، كانت الألقاب تُمنح تكريمًا لمكانة اجتماعية رفيعة، أو جهدٍ علمي مشهود، أو إنجازٍ وطني يستحق أن يُسجَّل في الذاكرة. كانت تُكتسب ولا تُشترى، وتُمنح ولا تُنتحل. أما اليوم، فقد تحولت هذه الألقاب إلى سلعة رخيصة في أسواق الشهرة، تتداولها بعض حسابات التواصل الاجتماعي كما لو كانت أوسمة بلا قيمة.

تجد نفسك أمام “الشيخ اللواء”، و”الشيخ الطيار”، و”الشيخ المهندس”، بل وحتى “الشيخ صاحب السيارة المستأجرة البنز”؛ عناوين تُلصق دون أساس، وأوصاف تُمنح بلا سبب، وكأننا أمام مشهد عبثي فقد فيه اللفظ معناه، وفقدت فيه المكانة هيبتها.

هذه المبالغات لم تعد طرفة تُروى للتندر، بل صارت ظاهرة تُسهم في تشويه الذائقة العامة، وتُفقد المجتمع احترامه للقيم والمعايير التي تُبنى عليها المكانة الحقيقية. والأسوأ أن كثيرًا من هؤلاء “المشاهير” وجدوا في السطحية والفراغ طريقًا سريعًا للانتشار، فاختصروا النجاح في الاستعراض الفارغ وصناعة الجدل.

والأخطر من ذلك أن هذا السلوك يُروَّج له تحت شعار “حرية شخصية”، بينما هو في الحقيقة تجاوزٌ صريحٌ على القيم والأخلاق، وإساءةٌ للمشهد العام، وتشويشٌ على المفاهيم الأصيلة. الحرية لا تعني الانفلات، كما أن التعبير لا يكون عبثًا، وإلا فقدنا البوصلة التي تهدينا إلى المعنى.

وفي خضم هذا المشهد المربك، جاءت خطوة هيئة تنظيم الإعلام بنشر قائمة المحظورات خطوة شجاعة وضرورية، أعادت ضبط البوصلة، وأكدت أن الحرية لا تنفصل عن المسؤولية، وأن حماية الذوق العام لا تقل أهمية عن صيانته. هذه الخطوة ليست تضييقًا على حرية التعبير، بل حماية لها من الابتذال والانحراف، وحفظٌ لمكانة الكلمة من أن تُختزل في العبث والتسطيح.

كل الشكر لمعالي وزير الإعلام على هذا الجهد الواضح، وعلى حرصه الدائم على ما يهم المجتمع ويصون قيمه. ففي زمنٍ كثرت فيه الضوضاء وقلّت فيه المعايير، يبقى دور المؤسسات الراعية للوعي أشبه بيدٍ تمسك بالدفة حتى لا تنحرف السفينة

زر الذهاب إلى الأعلى