إذا أخطأت المركبة ذاتية القيادة… فمن يتحمل المسؤولية؟

بقلم المحامي / عبدالعزيز ذياب العنزي
قد يبدو هذا السؤال سابقاً لأوانه، لكنه في الحقيقة أحد أكثر الأسئلة القانونية تعقيداً في العالم اليوم.
فمع كل خطوة تخطوها التقنيات الحديثة نحو حياتنا اليومية، تظهر تساؤلات لم تكن مطروحة من قبل. وعندما أعلنت الإدارة العامة للمرور تعديلات على اللائحة التنفيذية لنظام المرور تتعلق بالمركبات ذاتية القيادة، وحددت المسؤولية الأولية بحسب الحالة سواء على السائق أو مالك المركبة، انشغل كثيرون بطرح أسئلة «ماذا لو؟» أكثر من انشغالهم بالتقنية نفسها.
ولعل أكثر الأسئلة تداولاً بعد صدور التنظيم كان ما طرحه أحد الزملاء قائلاً:”ماذا لو كان الحادث ناتجاً عن خلل في البرمجيات أو في أحد المكونات الفنية، فهل يتحمل المالك المسؤولية وحده؟”وفي تقديري أن هذا السؤال يعكس جوهر الإشكال القانوني الذي تواجهه معظم الدول عند تنظيم المركبات ذاتية القيادة.فطوال أكثر من قرن كانت القاعدة واضحة؛ هناك سائق يقود المركبة، وإذا وقع حادث يبدأ التحقيق من أفعاله وقراراته. أما اليوم فنحن أمام واقع مختلف؛ مركبة ترى الطريق بالكاميرات، وتقرأ محيطها بالمستشعرات، وتحلل البيانات بالخوارزميات، وتتخذ القرار خلال أجزاء من الثانية.
ولهذا تأتي أهمية ما صدر. فالمسألة لا تتعلق فقط بالمركبات ذاتية القيادة، بل بما تعكسه من حقيقة أكبر، وهي أن المملكة تستعد مبكراً للتقنيات القادمة بدلاً من انتظار انتشارها ثم محاولة اللحاق بها تشريعياً.
ويُحسب لوزارة الداخلية، ممثلةً في الإدارة العامة للمرور، هذا التوجه الاستباقي بتنظيم تقنية لا تزال كثير من الدول تناقش أبعادها القانونية والتنظيمية حتى اليوم.
لكن مع ذلك تبقى المعضلة: كيف ينظر القانون إلى ما يحدث بسبب المركبة ذاتية القيادة؟
فعند حدوث أي واقعة لا يتوقف القانون عند سؤال: من يملك المركبة؟ بل يبدأ بطرح أسئلة أكثر جوهرية: ما الخطأ الذي وقع؟ وما الضرر الذي ترتب عليه؟ وهل كان ذلك الضرر نتيجة مباشرة لذلك الخطأ؟
ولهذا فإن الجدل الدائر اليوم حول المركبات ذاتية القيادة ليس جدلاً حول المركبات بقدر ما هو جدل حول مفهوم المسؤولية نفسه.
هل تقع المسؤولية على الإنسان؟
أم على الآلة؟
وعندما ننظر إلى التجارب الدولية نجد أن العالم نفسه لم يحسم موقفه بعد.
ففي المملكة المتحدة برز اتجاه يقوم على فكرة أن من يتخذ القرار يتحمل المسؤولية. أما ألمانيا فركزت على سؤال مختلف: من كان يقود المركبة لحظة وقوع الحادث، الإنسان أم النظام؟ ولذلك أولت أهمية كبيرة لتسجيل البيانات والاحتفاظ بسجلات التشغيل.
وفي المقابل، اختارت الولايات المتحدة نهجاً أكثر عملية، فسمحت للتقنية بالتقدم، وتركت جزءاً من الإجابات يتشكل من خلال الوقائع الفعلية والتحقيقات الفنية والأحكام القضائية.
وهذا يقود إلى حقيقة مهمة: العالم لا يزال في مرحلة البحث عن الإجابة.
ولعل ما يغيب عن بعض النقاشات أن التنظيم الجديد ليس النظام الوحيد الذي سيحكم هذه المسائل. فالمنظومة القانونية السعودية تمتلك قواعد عامة راسخة لمعالجة الخطأ والضرر والتعويض والمسؤولية المدنية، بما يسمح بالتعامل مع الوقائع المستجدة حتى وإن لم يوجد نص تفصيلي خاص لكل حالة.
وفي مقدمة هذه المنظومة يأتي نظام المعاملات المدنية السعودي، الذي يضم أكثر من 700 مادة، ويضع إطاراً عاماً للمسؤولية والتعويض والضرر، بما يمكّن القضاء من استيعاب كثير من المسائل التي قد تفرزها التقنيات الحديثة مستقبلاً.
وفي تقديري أن السؤال الحقيقي ليس: هل النظام الحالي كامل؟ بل: هل يمكن أصلاً أن يكون كاملاً في مرحلة لا تزال التقنية نفسها تتغير فيها كل عام؟
فالمركبات ذاتية القيادة ليست منتجاً نهائياً وصل إلى صورته الأخيرة، بل تقنية ما زالت تتطور من جيل إلى آخر، ومن الطبيعي أن تتطور الأنظمة المرتبطة بها بالتوازي مع هذا التطور.
فإذا كان للطائرات صندوق أسود يساعد على كشف الحقيقة، فهل يأتي يوم يصبح فيه وجود صندوق أسود للمركبات ذاتية القيادة أمراً إلزامياً؟
وهل نحن أمام مرحلة انتقالية مؤقتة إلى حين ظهور قواعد دولية موحدة تنظم المسؤولية القانونية للمركبات ذاتية القيادة حول العالم؟
لا أحد يملك الإجابة الكاملة اليوم.
لكن المؤكد أن المركبات ذاتية القيادة ستصل إلى طرقاتنا قبل أن تنتهي النقاشات القانونية حولها.
ويبقى السؤال الذي سيلازم هذه التقنية لسنوات قادمة:
إذا كانت المركبة هي من اتخذت القرار الخاطئ… فمن يتحمل نتيجة ذلك القرار؟





